Stalker
يقدم الفيلم نفسه كرحلة إلى مكان خارق تحقق غرفته أعمق اماني الداخلين اليه. غير انني، وبعد تأمل طويل في نسيج الفيلم ورموزه، وجدت ان "المنطقة" ليست سوى فضاء طبيعي تماما، لا يخفي اسرارا فوق بشرية، ولا تنبض جدران غرفته بأي جوهر اعجازي. ان ما يمنحها هالتها المهيبة ليس الواقع، بل الاسطورة التي صاغها نفر من المنبوذين ليمنحوا ذواتهم قيمة لا يجدونها في العالم الخارجي.
المرشدون هؤلاء الذين يقدمون انفسهم كدلائل الطريق وكهنة الغموض لم يكوّنوا عظمتهم الا من قصص يتناقلونها وطقوس يبتدعونها. انهم في الحقيقة اشخاص لفظتهم الحياة فابتكروا اسطورة المنطقة ليقيموا فيها سلطة رمزية وليتحولوا من هامشيين مجهولين الى حراس لمعجزة متخيلة. وهكذا غدت "الغرفة" التي يشاع انها تكشف الرغبات الدفينة مجرد مسرح نفسي تتضخم فيه اوهام الامل، لا مكانا تغير فيه السماء مجرى المصير.
ولعل اكثر المشاهد كشفا لهذه الحقيقة هو انهيار المرشد حين يواجهه الكاتب في نهاية الرحلة. هناك، تتساقط الاقنعة جميعها. لا يعود الرجل نبيا للمعنى، ولا وسيطا للغيب بل انسانا هشا يعترف بانه لا شيء خارج حدود المنطقة. وما دموعه تلك الا اعترافا صامتا بان قيمته تستمد نفسها من الخدعة التي كان يحرسها، لا من ذاته.
ان الفيلم من وجهة نظري ليس فيلما عن مكان خارق بل عن اصطناع المعجزة كي يجد الفرد لنفسه موقعا في عالم يزدري الضعفاء. انه فيلم عن حاجة الانسان الى ان يكون ذا شأن، حتى لو اضطر الى بناء اسطورته بيديه. وبينما تنهمك التفسيرات التقليدية في البحث عن قدسية المنطقة، ارى ان عظمتها الحقيقية تكمن في كونها مرآة لا سحر فيها مرآة تكشف الانسان، لا رغباته فحسب، بل هشاشته وفراغه وتعلقه بأي وهم يخلصه من تلاشيه.
انها منطقة بلا قوى، وغرفة بلا معجزات، لكنها مفعمة بآليات النفس حين تصغي لاحتياجها العميق الى المعنى. وهذا وحده يكفي ليجعل الفيلم، رغم كل بساطة مكانه، واحدا من اكثر الافلام قدرة على تعرية الروح.