Persona
"هل يمكننا التوقف عن الكلام دون الكذب واختلاق الأعذار؟" من هذا التساؤل يبدأ فيلم من اعقد و أعمق الافلام اللي شفتهم للمخرج إيغمار برغمان و اللي كنت مضطرة اشوفه مرتين حتى أفهمه بشكل كامل لكن يبقى دائما صعب
صمت إليزابيث كان نابع عن قرار واعي منها و ليس مجرد صدمة نفسية او مرض جسدي ،بعد ادراكها ان كل كلمة نقولها و كل عذر نختلقه و كل دور نلعبه فحياتنا اليومية يحمل بالضرورة جزء من الكذب و الزيف لإرضاء الآخرين
أمام هذا الصمت النابع من إليزابيث يضع المخرج الممرضة الما التي تمثل النقيض تماما فهي تفرط في الكلام لسد الفراغ في منزل منعزل بجانب البحر في هذه العزلة التامة أمام الطبيعة تصبح إليزابيث مرآة تواجه فيها الممرضة الما مخاوفها و أسرارها الخفية لتتلاشى الحدود تدريجيا بين الشخصيتين
**
"الصراخ الهائل في إيماننا وشكوكنا ضد العتمة و الهدوء هو الدليل الأشد رعبا في هجرنا و إدراكنا المكبوت"**
الخوف من الفناء والانقراض وكيف أن يأس الإنسان وعجزه أمام الموت والظلام جعل لديه صرخة شك وإيمان وبحث عن خلاص غيبي هذا المشهد كان لازم اعيده مرتين أيضا، الما قرأت النص فكتابها و لم تتفق معه لأنها ترى نفسها انسانة مستقرة و أفعالها صحيحة لكن مع الوقت تقع في فخ الاعتراف و تقول ان أفكارها و مبادئها في جهة و أفعالها الحقيقية في جهة أخرى و هذا يكشف كيف انها تعيش خلف قناع من المثالية الزائفة تماما مثل باقي البشر
و هنا يتقاطع صمت إليزابيث مع الفكرة الأكبر للفيلم و اللي هي صمت الاله فالمخرج إيغمار برغمان يربط بين صمود الكون و العتمة أمام صرخات البشر الباحثة عن إجابة و بين صمت إليزابيث أمام محاولات الما المستمر لجعلها تتكلم بصمتها الاختياري، تضع نفسها في مكان هذا الكون الصامت لا تقدم إجابات ولا تبرر ولا تمنح الما الخلاص الذي تبحث عنه
تنكسر الثقة المبنية بينهم عند قراءة الما للرسالة حيث كشفت لها حقيقة صادمة وهي ان إليزابيث لا تراها كصديقة بل تتعامل معها ببرود كمادة للدراسة والتسلية وتراقب تصرفاتها و تحللها، فتحول صمت إليزابيث في عين ألما من مجرد سكوت إلى سلاح خبيث مما فجر رغبتها في الانتقام والمواجهة
كان انتقام الما من خلال البحث بحقيقة إليزابيث المرة التي تخفيها وراء صمتها و هي قصة ابنها فواجهتها بأن رغبتها فالانجاب لم تكن نابعة عن غريزة امومة حقيقية بل كانت مجرد اندفاع عابر و متسرع نتيجة لتحريض خارجي لشخص لا تعنيه و هذا الاندفاع لاحقا تحول لندم و تردد و كره ونفور من طفلها مما جعلها تشعر بالذنب و العجز عن منحه او مبادلته الحب الصادق،الأمومة لإليزابيث لم تكن غريزة بل كانت مجرد دور اجتماعي جديد تحاول تمثيله وإتقانه أمام المجتمع صمتها كان وسيلة للتوقف عن تمثيل دور الأم المحبة لأنها تعجز عن حب ابنها وترى في ذلك زيفا عاطفيا وتجسد هذا بوضوح في مشهد تمزيق صورته لمحو وجوده
بعد ذلك نصل إلى مشهد اندماج وجهيهما و اللي مهم جدا اعطي فكرتي عنه ،هذا الاندماج البصري يعلن ذوبان الشخصيتين وتلاشي الحدود بينهم تماما فألما من كثرة امتصاصها لصمت إليزابيث فقدت هويتها المستقلة وبدأت تتحول الى إليزابيث بينما امتصت إليزابيث كلام الما وحياتها و هذا يثبت فكرة المخرج الوجودية في أننا مجرد اقنعة تتداخل مع بعضها البعض هربا من مواجهة الفراغ و عتمة ذواتنا الحقيقية
كان من الافلام اللي صدعتني و انا اتفرج و اكتب ريفيو وعندي افكار كثيرة حاولت اختصرها قدر المستطاع